ابن أبي الحديد
355
شرح نهج البلاغة
( 145 ) الأصل : هلك امرؤ لم يعرف قدره . * * * الشرح : هذه الكلمة من كلماته المعدودة . وكتب النعمان بن عبد الله إلى القاسم بن عبيد الله كتابا يدل فيه بخدمته ، ويستزيد في رزقه ، فوقع على ظهره : رحم الله امرأ عرف قدره ! أنت رجل قد أعجبتك نفسك فلست تعرفها ، فإن أحببت أن أعرفكها عرفتك . فكتب إليه النعمان كنت كتبت إلى الوزير أعزه الله كتابا أستزيده في رزقي ، فوقع على ظهره توقيع ضجر لم يخرج فيه مع ضجره عما ألفته من حياطته وحسن نظره ، فقال : إنه قد حدث لعبده عجب بنفسه ، وقد صدق - أعلى الله قدره - لقد شرفني الوزير بخدمته ، وأعلى ذكرى بجميل ذكره ، ونبه على كفايتي باستكفائه ، ورفعني وكثرني ( 1 ) عند نفسي ، فإن أعجبت فبنعمته عندي ، وجميل تطوله على ، ولا عجب ، وهل خلا الوزير من قوم يصطنعهم بعد ملة ويرفعهم بعد خمول ، ويحدث لهم همما رفيعة وأنفسا عليه ، وفيهم شاكر وكفور ، وأرجو أن أكون أشكرهم للنعمة ، وأقومهم بحقها . وقد أطال الله بقاءه : إن عرف نفسه وإلا عرفناه إياها ، فما أنكرها ، وهي نفس أنشأتها نعمة الوزير وأحدثت فيها ما لم تزل تحدثه في نظرائها من سائر عبيده وخدمه ، والله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة مولاه وولى نعمته ، إما عادة ودربة وإما تأدبا وهيبة ، وإما شكرا واستدامة للنعمة . فلما قرأ القاسم بن عبيد الله كتابه استحسنه ، وزاد في رزقه
--> ( 1 ) ب : " كبرني " .